Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

Home icon Accueil»Chronique
Chronique
حق الاختلاف
Écrit par فرج الحوار   

 


إن من يتصورون إمكانية أن يشبه الناس بعضهم البعض إلى حد التماثل أو الاندماج الكليين، وأن يتواطؤوا على هذا الأساس على معتقد واحد يجمعون عليه كلهم، هم من الواهمين – إن كانوا صادقين في ظنهم هذا – أو من الحالمين، إن كانوا يأملون في تحقيق هذا المطلب العزيز المنال. ولهم، إن كانوا في شك من أمرهم، دليل على ذلك في القرآن الكريم، وفي التراث الإنساني عموما، والتراث العربي الإسلامي على وجه الخصوص. وليتساءلوا حينئذ عما يجعل ما لم يتحقق أبدا طوال التاريخ البشري يتحقق على أيديهم هم بالذات، في هذا الظرف بالذات، بنفس الطرق التي اعتمدها السابقون عليهم، ولم تؤدي إلى النجاح، بل فاقمت الفرقة والخلاف، وزادت من وتيرة سفك الدماء؟
ولو كلف هؤلاء أنفسهم شيئا يسيرا من التفكير لرأوا أنهم في توافقهم الظاهر مختلفون، وإلا لما انقسموا إلى نهضة وتحرير وسلفية علمية وجهادية، وغيرها من التفريعات التي لا تقف عند حد. ولو فكروا أكثر لانتهوا إلى أن العقائد التي اعتنقوها، والشريعة التي يلهجون بها، هي نتيجة من نتائج الاختلافات المذهبية والكلامية والإبداعية التي نشبت بين من يصرون على تسميتهم بـ "السلف الصالح".
ولو افترضنا جدلا أن "الصلاح" يمكن أن ينسب بهذا الإطلاق إلى بني البشر، وأن المقصودين تحديدا كانوا فعلا من الصالحين، المعصومين فطرة أو اختيارا وإكراما من السماء (على ما في هذا الافتراض من خطر على مبدإ التوحيد الذي تقوم عليه العقيدة الإسلامية بالذات، ومن خطر أكبر على العقل البشري باعتبار أن السلفية دعوة صريحة إلى تعطيله بالكلية، وهذا أيضا مما يتعارض مع المقاصد السامية للإسلام نفسه)، فلا بد إذن من التنبيه على أن هذا "الصلاح" مَقرون بهم هم بالذات وبزمانهم تحديدا، ولا ينسحب بالضرورة علينا اليوم كليا أو جزئيا، اللهم إلا إذا تعلق الأمر ببعض القيم الروحية التي لا علاقة لها بأمور الفكر والمعاش، أي بإدارة الشأن العام


.
ودليلنا على ذلك أن السلف الصالح ليس مقصورا على حقبة بعينها، ومنحصرا في أسماء محددة، لأن ممن يزج بهم في خانة السلف الصالح من ينتمي إلى الصحابة، ومنهم من ينتمي إلى التابعين، وتابعي التابعين، انتهاء إلى "أئمة" و"مجتهدين" لا يطالهم الحصر، نخص بالذكر منهم ابن تيمية ومن تلاه ممن انتحل فكره، وآخرهم المسمى محمد بن عبد الوهاب النجدي، وإليه نسبت الوهابية التي تتزعم اليوم الحركات الموسومة بالسلفية بأمثال ابن باز وابن عثيمين، وغيرهم من غلاة التعصب المقيت، ومنهم من لا يستنكف عن مناصرة القاعدة والدعاء لها بالنصر المؤزر باعتبارها حركة جهادية.
فكل هؤلاء لا يقولون نفس الشيء، بل إن كل جيل منهم أضاف إلى فكر الأجيال السابقة عليه ما يتلاءم مع الظروف التي طرأت في زمانهم. وعلى ذلك سار من تلاهم إلى يوم الناس هذا، فكيف يجوز اليوم القول بالتزام تراث "السلف الصالح" (ولا يصلح الماضي لمعالجة قضايا الحاضر الراهن اعتبارا لما قدمنا) والاقتصار عليه، مع ما يعني هذا من إلغاء للفكر والتاريخ، والحال أن هذا التراث نفسه نتاج لهما؟ ولو كان فكر السلف الصالح متكاملا ومنسجما، كما يُتوهم، لما كان من معنى للمذاهب والفرق والمدارس الكلامية، والفلسفية من بعدها، والصوفية والعرفانية والأدبية – وما أكثرها –، وغيرها من إنتاجات الحضارة العربية الإسلامية التي يراد اختزالها اليوم في حد الحرابة الذي نادى بتطبيقه الصادق شورو، وفي الخفض (ختان البنات) الذي جاءنا به المهووس المصري وجدي غنيم، وفي سفاسف مزرية ومخزية من نوع الإسبال والسواك وغيرها من الترهات التي ينافح عنها صبيان الوهابية ممن يطلقون على أنفسهم لقب الدعاة.
والفرق والمذاهب التي شغلت المسلمين، ومزقت وحدتهم، وكلفتهم الكثير من الضغائن والدماء، لا تزال آثارها باقية إلى اليوم ممثلة في الإنجاز السلفي بكل تنويعاته. وقد دأب بعض المعاندين والجهلة، الذين لا يحسنون قراءة التاريخ (وهم لذلك يسيئون قراءة ما أسموه تراث السلف الصالح) على تفسير هذه الاختلافات وتبريرها بالقول إنها من فعل الحاقدين والمغرضين وذوي الأهواء من أمثال ابن سبأ، اليهودي الذي تظاهر بالإسلام نفاقا وكان من أوائل من بشر بالتعاليم الشيعية. وهذه حجج واهية لا يمكن القبول بها باعتبار أنها سلاح الكل ضد الكل، يتغير مضمونها ومرماها بتغير مستعملها، فلا عجب إذن أن ابتدع الشيعة نظيرا أو نظائر لابن سبأ لإبطال مزاعم خصومهم.
نخلص من كل ذلك إلى أن التراث معطى متحرك متفاعل مع الزمان والمكان، وليس معطى ثابت حتى يُنادى اليوم باعتماده على عواهنه. ولو تسنى لنا اليوم الإلمام بكل ممارسات المسلمين، الدينية والاجتماعية على حد السواء، في مختلف البقاع التي يدين فيها الناس بالإسلام، لرأينا أن الفوارق بين هذه الممارسات محكومة بالظروف التاريخية والثقافية لكل قطر، وهي تتجاوز بقدر كبير المنظومة السلفية المدونة. ومرد هذا الاختلاف أن الإسلام متطور على الدوام، بخلاف الحركات السلفية القائمة أساسا على قاعدتي الجمود والموت. ونحن نزعم أن ليس بإمكان الموت أن ينتصر على الحياة، ولو كره السلفيون وكل المسكونين بفيروس الماضي اللعين.

 


Page 15 sur 187
Message au Studio !
Envoyez votre message au studio