Home icon Accueil»News»تونس 2012 ، تحدّي البناء
    
تونس 2012 ، تحدّي البناء PDF Imprimer Envoyer

 

altقلم الدكتور  الهذيلي المنصر
...
تَعوّدنا في السنين السابقة، عندما نَكون في مِثل هذه الفترة من كلّ عام وَعلى أبواب عامٍ جَديد، أن نَلتَفت إلى العائلة، إلى الأهلِ والأقرباء وأن نتمنّى لَهم عاما جَديدًا سَعيدًا . هذه المَرّة تنتابنا رغبة، أو هكذا نُحسّ، أن يَلتفت كلّنَا إلى كلّنا نحن التونسيون وأن يَتمنّى جميعُنا لِجميعنا سَنةً سعيدة. ذلِك أنّه تَأتي على الأمم والشعوب لحظات يقوى فيها بها ومعها الإنتماء وَيتجذّر. صَحيحٌ أنّه ولعقودٍ طويلة غَلبت علينا النّزعة الفردية وتضخّمت النّفوس والأنانيات ولكنّ الإحساس أنّ مُجتمَعنا يتعافى، يَتَكافل ويتضامن لِتعود تونس كما ألفناه.
...
كنّا وقتها أطفالا وكانت الإحساسات صادقة وكان في قلوب التونسيين سَعة وأمل، كانت هُناك جدّية ومثابرة. لم يكن التونسيون أغنِياء ساعَتها ولكنّ قلوبهم وعقولُهم كانَت غنيّة بِكلّ خير. كُنّا أقْربَ إلى العائلة، لا زال التحرّرُ مِنَ الإستعمار يشحَذُ همم أفْرادِها. بعدها كان ما كان، فقَد بورقيبة البوصلة، تفرّقت العائلة، تَغوّلت الدّولة فأنجبت لَنا بن علي، شخصٌ لا عَلاقة له بثقافة التونسيين، لا بتمدّنِهم ولا بروحيتهِم المُتسامِحة والمَرِحة. في جعبته بارودٌ وَسُجون وتعذيب ومنافي لا غَير، وَمن كلِّ هذا جرّعنا جَميعاً وإن اختلفت النّسب والكيفيات. لَقد كان التونسي متّصلا دوما بالحياة، مُحبًّا للفرحة ومنفتِحًا. زمن بن علي صار عَليه أن يَسكت، أن يخاف وَأن يُنافق. كان بإمكانه أن يواجه ولكنّها مواجهة اليائس، لا طائل منها وقد جرّبها كثيرون. لقد عاشَ التونسيون ضدّ نُفوسهِم، ضدّ قُلوبهم وعقولِهم، ضدّ طَبيعة الأشياء وضدّ طبيعتهم. وكثيرٌ منّا يَشعُر أنّ هذا الذي لا قيمة لَه في ميزان القيمة والمعنى والإنسانية سَرق أجْمَل سنين الحياة. فضيعٌ أن لا يَفرح الإنسان سنين طَويلة، أن لا يُبدع، أن لا يَعمل كما يَستطيع أن يعمَل، أن لا يَكونَ إنسانًا كَما يُفْتَرَض في الإنسان أن يَكون.
...
ثمنُ هذا بِحسابِ النَّفس والتّوازن والإستقرار باهض وقد دَفعه التونسيون خلال السنين الأخيرة قلقا وضغطا وآنفصاما وآلام ظهر فالحمل كان ثقيلا لم تقوى عليه النفوس والأجساد. جُلّنا يحتاج إلى إعادة بناء نفسي وإلى تأهيل ولِغياب المرافق فإنَّ الحلّ أن يضطلع بالمهمّة كلّ تونسي مَع كلِّ تونسي. ذكرنا بناء النّفس في المقدمة لأنّه أساسُ كلٌ بناء وإذا أردنا التفصيل في ما يلزمنا من بِناء فإنّنا لن نُعطي المسألة حقّها، ففي أمورٍ كثيرة قد يَكون لزاما علينا أن نبدأ من الصفر أو بعضه فقد خلّف بن علي بيننا دمارا كبيرا.
...
علينا أن نبني في كلِّ شيئ أو علينا أن نشرع في البناء في كلِّ شيئ من دون أن نفقدَ التوازن فكلّ حركةٍ أو مجهودٍ يُبذَلُ مِن خارج دائرة الممكن يورّثنا خرابا إضافيا وَنَحن في ما نَحْنُ فيه .تحقّقت بفضل الله وعطاء شعبنا لتونس سنة 2011 أمورٌ كثيرة ومضينا أشواطا هامّة في مَسار تصفية الإستبداد. ضُرِب الرّأس في 14 جانفي ومنه إلى مؤسّساته ونُصوصه وبعد الإنتخابات وَتشكيل الحكومة نطمَع أن نتخلّص من نظام المصالح الذي أقامه الإستبداد وقام به وفي كثيرٌ مِن رُدود الأفعال التي يشهدها البلَدُ هذه الأيّام نرى هذا النّظام وَقد أحسَّ بآقتِراب نهايته. وما نُنجزه يوما بعد يوم مُفيدٌ لَنا جميعا وضروري لآنطلاقٍ فِعليٍّ في البناء.
...
البناء الذي إذا وفِّقنا فيه وإليه كان كلُّ المسارِالحالي إيجابيا وإذا لم نُوفٌق لا قدّر الله فإنّ جمعاً غفيرا سيَطلع علينا ليسبَّ الثورة والشّعب وبعض الأطراف، بالمباشر أو بالواسطة، تعمل لِيَكون هذا. التمحيص الحقيقي لَنا جَميعا أن نبدأ البناء ونبدأه بثبات وعندها فقط يصبِح للهدم الذي نُباشِره منذُ مدّة قيمة ومعنى. طبعا فإنّ الحكومة ومن شكّلها معنيون أكثر مِنْ غيرِهم بتحدّي البناء. ولكن، ولأنّ فشل الحكومة سيكون في وضعنا الخاصّ جدًّا فشلاً لَنا جَميعا، فإنّ كلَّ حرَكةٍ إيجابية قَد تُساهم في نَجاحنا الجمعي وهي لِهذا حيويةٌ ومطلوبة. بُعدًا عن كلِّ السّجالات الحزبية والإيديولوجية فإنّ لحظتنا هذه لحظةٌ فارقةٌ وَمفترق. ليست لَحظة صراعٍ حولَ الأفكار والمرجعيات وإنّما لحظةٌ يتحدّدُ فيها مصيرنَا جَميعا فإمّا أن نبقى كيانا منظّما أو أن نَغرق في الفوضى. يجب على الحكومة أن تَعي بِذلك، أن تَخرُج عن حزبيتها. يجب علي الأحزاب أن تَترُكَ الحملات الإنتخابية لوقتها. نحتاج سلوكا جمعيّا يكونُ مِنْ جِنس اللّحظة وبِمُستوى التحدي، سُلوكا يكون ضمانة بناء، لا نذيرَ خَراب.
...
لا نَعرِف إلى أين يسير الرّبيعُ العربي وإن كنّا نرى سُحُبا كثيفة تَحْجُبُ أزهاره، لنبني ونُنقذْ على الأقلّ ربيعنا التونسي. نحن في فصلِ الشّتاء الآن والشّتاء مؤلِمٌ شديد ولكنّه يقوّي فينا الرّغبة في الرّبيع، فليكن البناء رغبةً في الرّبيع.
....
قلم الدكتور  الهذيلي المنصر
ان اراء و مواقف السيد الهذيلي المنصر الواردة بصفحتنا الرسمية لا تمثل الا صاحبها و لا تلزم الاذاعة بشيء
 
Message au Studio !
Envoyez votre message au studio