Français|

الاستقبال >أخبار >ثقافة

ثقافة 2026/04/30 16:24

'العرس' يعود إلى قابس: حين لا يكون الترميم شأنا تقنيا فقط

'العرس' يعود إلى قابس: حين لا يكون الترميم شأنا تقنيا فقط

 في ليلة 29 أفريل بساحة جارة، لم يكن عرض النسخة المرممة من فيلم "العرس" في مهرجان قابس سينما فن مجرد استعادة لفيلم تونسي قديم، ولا مجرد فقرة كلاسيكية ضمن برنامج مهرجان، كان الأمر أقرب إلى عودة جسد فني من الأرشيف إلى الحياة، عودة عمل ولد من رحم المسرح، وخرج من زمنه ليسائل زمننا نحن.

يأتي هذا العرض ضمن الدورة الثامنة من مهرجان قابس سينما فن، المنعقدة من 26 أفريل إلى 2 ماي 2026، وهي دورة تؤكد مرة أخرى أن هذا المهرجان لا يريد أن يكون فقط فضاء لعرض الأفلام، بل مختبرا للذاكرة البصرية والفنية.
فقد خصّصت البرمجة حيزا للسينما الكلاسيكية، من بينه عرض النسخة المرممة من العرس، إلى جانب الفيلم المصري "شفيقة ومتولي" لعلي بدرخان، في اختيار ارتبط بحضور هند صبري كعرابة لهذه الدورة ومقترِحة لهذه الجواهر المرمّمة، غير أنّ خصوصية "العرس" تتجاوز قيمته الأرشيفية. فهذا الفيلم، المنسوب إلى تجربة المسرح الجديد، ليس عملا عاديا في تاريخ الثقافة التونسية.

إنه أثر من اثار لحظة فنية وفكرية صنعت لغة أخرى للركح والصورة: لغة حادة، جماعية، ساخرة، ومتوترة مع المجتمع. هو " لقاء مع ذاكرة، ذاكرة لازمنا نستحفظوا عليها…وعمل "جاء من فترة وين الفن في تونس يطرح الأسئلة قبل ما يعطي الاجابات" كما صرحت هند أثناء تقديمها للفيلم.
ولعل أجمل ما في عرض قابس أنه لم يكن عرضا باردا لفيلم عاش العنكبوت في حياكة خيوطه على شريط الفيلم كما حيكت كلمات السيناريو، بل بمرافقة جليلة بكار والفاضل الجعايبي هند صبري في التقديم ، أي بحضور الذاكرة نفسها.

ذاكرة استعادتها جليلة بكار بكلمات غلب عليها التأثر والحنين لفاضل الجزيري، وذاكرة تحول ما كان على خشبة المسرح إلى أمام كاميرا كثورة تلك الأيام، على لسان مخرج الفيلم الفاضل الجعايبي. هنا يصبح الترميم أكثر من عملية إنقاذ للصورة والصوت ويمسي لحظة اعتراف بجيل فني لم يكتف بتمثيل المجتمع، بل اشتبك معه وأن فترة المسرح الجديد، ومحاولة للتأكيد أن الفن التونسي الحديث لا يبدأ اليوم، ولا يولد كل مرة مع موجة جديدة، بل له آباء وأمهات وأسلاف وتجارب مؤسسة يجب ألا تبقى حبيسة الحنين.

وعودة على هذا العمل، فقد ولد أولا في حضن فرقة المسرح الجديد كمسرحية، ثم اتخذ لاحقا شكل الفيلم، قبل أن تجعل منه السنين مؤونتها ويعود اليوم في نسخة مرممة تستحضر الراحل فاضل الجزيري. في "العرس"، لا يبدو العرس مناسبة للفرح الخالص. إنه فضاء انكشاف أو كشف. فخلف الطقوس والأغاني والضيافة والوجوه الاجتماعية المطمئنة، تظهر هشاشة العلاقات، وكذب الطبقة، وخوف الأفراد من حقيقتهم. لذلك ظل الفيلم، رغم زمنه، قريبا منا. فالمجتمع الذي يعلق أقنعته في المناسبات، ثم يستعيدها بعد انتهاء الاحتفال، لم يختف. تغيرت الملابس، تغيرت البيوت، تغير شكل السلطة الاجتماعية، لكن السؤال بقي: ماذا نخفي حين نحتفل؟ وماذا يكشف الفرح الجماعي عن بؤسنا الفردي؟ من هنا، تبدو عودة "العرس" في قابس حدثا ثقافيا لا ينبغي اختزاله في عبارة "عرض نسخة مرممة"، فالترميم اليوم لم يعد رفاهية بل معركة ضد النسيان. كم من أفلامنا مهددة بالتلف؟ كم من المسرحيات لم يبق منها إلا ذاكرة شفوية؟ كم من صور الفنانين ذهبت مع الرطوبة، والإهمال، وغياب السياسات العمومية الجادة للأرشفة؟

حين يرمم فيلم، فإننا لا ننقذ شريطا فقط، ننقذ طريقة في النظر، وننقذ أسئلة جيل، وننقذ حق الأجيال الجديدة في أن ترى ما صنع قبلها لا أن تسمع عنه فقط. ينجح مهرجان قابس سينما فن في حياكة العصر بالذاكرة، فالمهرجانات لا تقاس فقط بعدد ضيوفها أو بريق سجادها الأحمر، بل بقدرتها على صناعة حوار بين الأزمنة أيضا، ولأن الذاكرة التي لا تعرض تموت مرتين: مرة حين يتلف شريطها، ومرة حين لا تجد من يشاهدها. أما العرس، فقد عاد في قابس ليقول إن بعض الأعمال لا تشيخ، بل تنتظر فقط من يمسح عنها غبار الزمن.
تقوى السباعي

الطقس

اليوم 30.04.2026

المزيد
horoscope.jpg
babnet.jpg