المعهد العربي لرؤساء المؤسسات: مديونية الأسر في مستوى حرج

بلغت مديونية الأسر في تونس مستوى "حرجا"، يُهدد التماسك الاجتماعي واستقرار الاقتصاد الكلي للبلاد، وفي مواجهة هذا الواقع، لم يعُد التحرّك السريع والفعّال خيارا، بل ضرورة وطنية تقتضي مزيجا متوازنا بين التعديل والشفافية، وفق تحليل نشره، اليوم الجمعة، المعهد العربي لرؤساء المؤسسات.
وكشف هذا التحليل، الذي جاء تحت عنوان "تداين الأسر بشكل مفرط: التشخيص، الرهانات والحلول في تونس"، عن فجوة هيكلية مقلقة. فبين عامي 2014 و2024، لم يرتفع متوسط الدخل الصافي للفرد إلا بشكل طفيف، ليتحول من 1512 دينارا إلى 1568 دينارا، أي زيادة لا تتجاوز 3،7 بالمائة، خلال عشر سنوات.
في حين زادت ديون الفرد بشكل كبير، من 1619 دينارا إلى 2686 دينارا، أي زيادة بنسبة 65،9 بالمائة. هذا التباين بين الدخل والارتفاع السريع للديون رفع مؤشر الهشاشة على مستوى الميزانية من 107 بالمائة سنة 2014 إلى حولي 171 بالمائة سنة 2024، وهو مستوى أعلى بكثير من المستوى الدولي المقبول المقدر ب 40 بالمائة.
ومصطلح "معدل هشاشة الميزانية"، يعرف بأنه النسبة التي تربط بين متوسط الدين للفرد (2686 دينارا) ومتوسط الدخل المتاح له (1568 دينارا). ويعدّ هذا المؤشر أداة لقيس مدى اعتماد الأسر على الاقتراض، إذ يكشف عن مستوى الاعتماد وطنيا على المديونية مقارنة بقدرة الأفراد الفعلية على الكسب.
وبحسب المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، تتفاقم هذه الهشاشة بسبب الطابع غير الإنتاجي للمديونية: إذ يتم توجيه 59،7 بالمائة من القروض البنكية إلى الاستهلاك (تهيئة، وسيارات، ودراسة أو نفقات جارية أخرى) وليس إلى استثمارات مدرّة للدخل، "هذا النوع من المديونية، سواء لتلبية الاحتياجات الأساسية أو للحفاظ على مكانة اجتماعية، يفتقر إلى القدرة الذاتية على السداد، مما يحوّل كل قرض جديد إلى خطر تراكمي يدفع نحو العجز عن الإيفاء بالدفع، بحسب تحليل المعهد.
وذكر المعهد في هذا الصدد، بمعطيات البنك المركزي التونسي التي أشارت إلى أن إجمالي مديونية الأسر في تونس، بلغ 32,162 مليار دينار سنة 2024، ، منها 29,407 مليارا (91,4 بالمائة) لدى البنوك و2,755 مليارا (8,6بالمائة) لدى مؤسسات التمويل الصغير. وعلى مستوى التركيبة، تمثل قروض السكن 40,3 بالمائة من إجمالي القروض البنكية، بينما تمثل قروض الاستهلاك 59,7 بالمائة (بما في ذلك تهيئة السكن، السيارات، الدراسة)، ما يعكس مديونية ذات طابع معيشي أكثر منها استثماري.
ويعتبر المعهد العربي لرؤساء المؤسسات أن اللجوء المكثف للقروض، يأتي في سياق تدهور القدرة الشرائية، واستمرار التضخم، وغياب شبكات الحماية الاجتماعية الشاملة، ما حوّل مشكلة الملاءة المالية إلى أزمة اجتماعية هيكلية.
التضخم والبطالة وفرط المديونية: بيئة مخاطر نظامية
كما أشار التقرير إلى أن فرط المديونية لم يعد ناتجًا عن سوء إدارة فردي من قبل الاشخاص، بل أصبح أزمة نظامية تغذيها الزيادة الكبيرة في أسعار الغذاء (زيادة ب21,2 بالمائة بين 2021 و2023)، مما أجبر الأسر على تخصيص أكثر من 40 بالمائة من ميزانيتها للغذاء، مقابل 30,1 بالمائة سنة 2021.
فبين 2021 و2024، شهدت تونس فترة من الاضطراب الاقتصادي الكلي، تميزت بتضخم مستمر، وبطالة هيكلية مرتفعة، وجمود في الدخل الحقيقي.
وتتقاطع هذه العوامل الثلاثة لتضغط على ميزانيات الأسر، مما يدفعها إلى استراتيجيات مديونية اضطرارية، حتى عندما تتجاوز قدرتها على السداد الحدود الممكنة.
وذكر التقرير أيضًا بما أسماه "التباطؤ الواضح في ديناميكية المديونية". فقد بلغت نسبة نمو الديون البنكية للأسر 2,3 بالمائة فقط سنة 2024، مقابل 3,1 بالمائة سنة 2023 و4,8 بالمائة سنة 2022. ويُعزى هذا التباطؤ أساسا إلى الانخفاض الحاد في نسق قروض السكن، التي لم تتجاوز نسبة نموها السنوي 0,8بالمائة سنة 2024. ويعكس هذا من جهة إلى بلوغ الأسر نسبة مديونية فائقة (171بالمائة)تحدّ من قدرتها على الاقتراض ومن جهة أخرى إلى تشديد البنوك لشروط منح القروض، خاصة العقارية، بسبب الضبابية الاقتصادية ومخاطر التعثّر.
ووصف المعهد في تحليله اجتماع التضخم المرتفع والبطالة المستمرة وتشبّع المديونية ببيئة مخاطر نظامية. "فالنسبة لكثير من الأسر، لم يعد اللجوء للقروض خيارا، بل ضرورة للبقاء في مواجهة تآكل القدرة الشرائية، مما يحوّل الهشاشة الاقتصادية تدريجيا إلى أزمة مالية". وخلص المعه بالقول أنه "في غياب آليات مؤسساتية للكشف والمعالجة وإعادة التأهيل، تظل هذه الأزمة غير مرئية وغير مقاسة وبالتالي غير معالجة."
وأوصى المعهد، أمام هذا الواقع، بضرورة اعتماد مقاربة شمولية، معتبرا أن الحلول "لا يمكن أن تكون فردية بحتة ولا زجرية فقط"، بل شمولية، مُتدرجة ومُفرَّقة بحسب الحالات.
وتشمل هذه المقاربة، إعداد خريطة دقيقة للظاهرة، بصفة عاجلة، عبر مرصد وطني، وضرورة تنظيم منح القروض من خلال تحديد سقف لنسبة الدين مقارنة بالدخل الفردي (40 بالمائة لقروض الاستهلاك و50بالمائة لقروض السكن)، وتحقيق العدالة الاجتماعية عبر قانون لإعادة الإدماج، إضافة إلى الوقاية على المدى الطويل من خلال إدماج التربية المالية في المناهج الدراسية منذ المراحل الأولى.





















