تقديم تقرير 'تقييم ممارسات الحوكمة والشفافية في مشاريع الإستثمار العمومي في تونس'

أكّد الخبير في المالية العمومية أحمد قيدارة، أنّ تقييم عدد من المشاريع العمومية المنجزة في تونس كشف عن جملة من النقائص التي أثرت على آجال الإنجاز ورفّعت من كلفة التنفيذ، مشددًا على أنّ الهدف من هذه العملية ليس انتقاد التجارب السابقة، وإنما استخلاص الدروس وتطوير منهجية إعداد وإنجاز المشاريع العمومية مستقبلاً.
وأوضح قيدارة، أنّ التقييم شمل 3 مشاريع كبرى تمّ اختيارها وفق معايير مُحدّدة وبالتنسيق مع الجهات المختصة، باعتبار أنّها تُمثل قطاعات مختلفة، وخاصة في مجال البنية الأساسية.
ومن بين هذه المشاريع مشروع، يهُم قطاع النقل ويتضّمن إحداث 19 محطة وصيانة 190 مدخلًا، إلى جانب مشروع الطريق السيارة، بالإضافة إلى مشروع ثالث خضع بدوره للتقييم.
وأشار إلى أن اختيار هذه المشاريع استند إلى معيار النضج والجاهزية، حيث مضى على إنجازها ما لا يقل عن خمس سنوات، بما يسمح بإجراء تقييم موضوعي وفق المعايير الدولية المعتمدة، والتي تشمل عدة مؤشرات من بينها الحوكمة، والشفافية في الإنفاق العمومي، ومدى تحقيق الأهداف المرسومة.
وأضاف أنّ تقييم المشاريع السابقة يهدف أساسًا إلى تثمين التجارب الناجحة، والوقوف على الإخلالات التي رافقت بعضها، خاصة في ظل انطلاق إعداد المخططات التنموية الجديدة للفترة 2026-2030، والتي تضم نحو 21 ألف مشروع.
واعتبر أن من الضروري أن تستند المشاريع المستقبلية إلى ضوابط ومعايير واقعية ومنسجمة مع المعايير الدولية لضمان نجاعتها وتحقيق الأثر المرجو منها.
وفي حديثه عن أبرز نتائج الدراسة، أوضح قيدارة أن أهم الإشكاليات التي تم رصدها تتمثل في ضعف الدراسات السابقة للتنفيذ، خاصة بالنسبة إلى المشاريع الكبرى التي تتجاوز كلفتها مئات الملايين من الدنانير.
وأكد أن هذه المشاريع تحتاج إلى دراسات جدوى اقتصادية دقيقة يتم تحيينها بصفة دورية، حتى تظل الفرضيات التي تقوم عليها منسجمة مع المتغيرات الاقتصادية والمالية.
وبيّن أن اختيار المشاريع في حد ذاته لم يكن يمثل الإشكال، إذ أظهرت عملية التقييم وجود انسجام كبير بين المشاريع والسياسات الوطنية، غير أن الصعوبات برزت خلال مرحلة التنفيذ، نتيجة تعقيد الإجراءات وغياب التنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين، وهو ما انعكس سلبًا على نسق الإنجاز.
وأشار إلى أن التأخير في تنفيذ المشاريع لا يقتصر أثره على تعطيل الإنجاز فحسب، بل يترتب عنه أيضًا ارتفاع الكلفة الاقتصادية، موضحًا أن الوقت أصبح عنصرًا مكلفًا في المشاريع العمومية. واستشهد بمثال مشروع انطلق سنة 2007 ولم يكتمل إلا سنة 2023، معتبرًا أن الموارد المالية التي ظلت مجمدة طوال تلك الفترة كان بالإمكان توجيهها إلى قطاعات أخرى كانت في حاجة إليها.
وشدد على أن تحسين جودة التحضير للمشاريع العمومية يعد شرطًا أساسيًا لضمان تنفيذها في الآجال المحددة وتحقيق الأهداف التي أحدثت من أجلها، مبرزًا أن الاستثمار العمومي يمثل محركًا أساسيًا للتنمية، إذ يهيئ الظروف الملائمة لاستقطاب الاستثمار الخاص. ولفت إلى أن إنجاز الطرق السيارة، على سبيل المثال، يساهم في فك العزلة عن المناطق، وتقليص كلفة النقل، وتحسين جاذبيتها للمستثمرين.
وفي ما يتعلق بأولويات الاستثمار، اعتبر قيدارة أن جميع القطاعات تحظى بالأهمية نفسها، بما في ذلك النقل والطاقة، غير أن محدودية الإمكانيات المالية تفرض ترتيب الأولويات واعتماد معايير واضحة وشفافة في تخصيص الموارد العمومية.
وأضاف أنّ قطاع الطاقة، وخاصة الكهرباء، يُعّد من القطاعات الأفقية التي لا غنى عنها لإنجاح بقية المشاريع، موضحًا أن إحداث منطقة صناعية، على سبيل المثال، يبقى غير ذي جدوى إذا لم تكن مرتبطة بشبكات الكهرباء والبنية الأساسية الضرورية.
وختم الخبير في المالية العمومية بالتأكيد على أن نجاح المخطط التنموي الجديد يظل رهينًا بإرساء مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الشفافية، وتحسين جودة الدراسات القبلية، وإحكام التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن حسن توظيف الموارد العمومية وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع المبرمجة.
نسرين علوش





















