إلى "الكامور".. في رحلة البحث عن الحقيقة

هنا مدنين، الساعة الثانية ليلا من يوم الثلاثاء 23 ماي 2017، السكون يخيم على المنطقة، الظلام دامس، جميع المنافذ والطرقات أغلقت تضامنا مع معتصمي "الكامور"، لا أحدا يمكنه الولوج إلى تطاوين التي تبعد 45 كلم، لكنّ فريق "الجوهرة اف ام" قرّر مواصلة رحلة البحث عن الحقيقة التي انطلقت مساء يوم الاثنين من ولاية سوسة في اتجاه منعرجات الرمال.
فبعد تجاوزه مارث بولاية قابس التي انتفض سكانها ليلا مساندة لأهالي تطاوين في احتجاجاتهم، وبعد تمكنه من تجاوزها في اتجاه مدنين، ومنها إلى تطاوين، لا بد من إيجاد مسلك للعبور، ومحاولة الكشف عن حقيقة المنعرج الخطير الذي اتخذه اعتصام المحتجين في تطاوين، بعد حوالي شهرين من الاعتصام السلمي مناداة بمطالب مشروعة، لا تتعدى شغل وحق جهة عانت عقود من التهميش وحقهم هم في الحياة.
قرّر فريق "الجوهرة" إتباع مسلك ينتهجه المهربين، فإما العبور عبره أو الرجوع من حيث انطلقت الرحلة، وبعد ساعتين من المغامرة في حدود الساعة الرابعة ليلا وصل إلى تطاوين، التي بدت وكأنها مهجورة منذ سنوات، لا شيء هنا يدل على أن هناك حياة وأناس باستثناء الإطارات المطاطية التي مازالت تشتعل.
انقضى الليل وزملاؤنا في السيارة في إحدى الشوارع ينتظرون الصباح، لمواصلة مهامهم، خيّروا أولا التوجه إلى المستشفى الجهوي بتطاوين للتواصل مع الإطار الطبي والاطمئنان على حالة المصابين الذين أصيبوا جراء المواجهات مع قوات الأمن مساء الاثنين، لقد غادر جميعهم باستثناء 10 مازالوا بقسم جراحة العظام في المستشفى.
يوم الأربعاء 24 ماي، تطاوين تتهيّأ لتشييع جثمان الفقيد محمد أنور السكرافي ذو ال28 ربيعا أصيل منطقة البئر الأحمر تبعد حوالي 30 كلم من تطاوين، الذي توفي خلال المواجهات مع الأمنيين مساء الاثنين، هنا تضاربت التصريحات. وزراة الداخلية تؤكد أن سيارة أمنية دهست الفقيد على وجه الخطأ، وفق ما ورد على لسان ناطقها الرسمي ياسر مصباح، هذا ما نفاه عدد من المعتصمين مؤكدين أن سيارة الوحدات الأمنية دهست السكرافي من الأمام وليس من الخلف عندما كان هاربا وهي تطارده، ولعل الحقيقة سيكشفها القضاء العسكري الذي قام بفتح تحقيق وتكفل بالملف، حسب وزير الدفاع الوطني فرحات الحرشاني.
بعد تأبين الفقيد في ساحة الشعب كانت الوجهة نحو منطقة البئر الأحمر ليوارى الثرى في مسقط رأسه، في جنازة مهيبة شارك فيها حوالي 1500 سيارة وحوالي 5 آلاف مواطن من تطاوين ومناطق الجنوب المجاورة.
تأجّج الأوضاع في تطاوين واتخاذها منعرج العنف والتخريب، تبرّأ منه معتصمو "الكامور"، مؤكدين أن من نهبوا وخرّبوا وسرقوا المقرات الأمنية وحرقوها ليس من بينهم، وإنما مندسين تسللوا لم يتم التفطن إليهم. عادت بنا الذاكرة إلى سنة 2016 عندما حاول عناصر "داعش" الإرهابي السيطرة على بن قردان وإقامة إمارة هناك، عندها تصدى لهم أهالي الجنوب مدافعين عن الوطن وظللنا نردّد مقولة والد الشهيدة سارة الموثق، أصغر شهداء هجوم بن قردان، ذات الثمانية سنوات، "بلادنا قبل أولادنا، وأمننا قبل بطنا".
في ظل هذا المناخ القاسي، ودرجات الحرارة المرتفعة التي يتذمر منها الزائر لبعض ساعات، يتمسّك أهالي الجنوب بجهتهم، بكثبان الرمال، وبالصحراء القاحلة، ولا يريدون مغادرتها إلى أي جهة، فقط يريدون أن يحيوا فيها.
بعد 4 أيام من اندلاع المواجهات، عادت الحياة تدريجيا إلى المنطقة، مع مواصلة اعتصام "الكامور" في الخيام التي نصبت بين كثبان الرمال قرب مضخات البترول. كما تم تأجيل الجلسة التفاوضية التي كان من المبرمج عقدها أمس الخميس مع وزير التكوين المهني والتشغيل عماد الحمامي في العاصمة، بعد استقالة والي تطاوين ورفض المحتجين التنقل إلى العاصمة.
| تحميل |















