Français|

الاستقبال >أخبار >مقال رأي

مقال رأي2014/01/07 12:03

جدّي أحمد(عمّ أبي) يبيع نصيبه من الزيت في سوسة ويشتري به قاربا بقلم منصف الوهايبي

جدّي أحمد(عمّ أبي) يبيع نصيبه من الزيت في سوسة ويشتري به قاربا بقلم منصف الوهايبي

حكاية من زمن البايات:

في شتاء 1951 آثر أبي أن يتفرّغ للعمل في معصرة الزيت التي أنشاها جدّي وكانت صابة الزيتون في حاجب العيون وريفها تبشّر بكل خير. وللعمل في معاصر الزيتون وقتها لذّة لا تضاهيها إلاّ لذة الزيت بكرا حامزا كالنبيذ، وجراذق القمح الفوّارة المكتنزة. لماذا يأخذ الحنين أبي إلى تلك السنوات رغم كفافها وضيق ذات اليد أحيانا؟ أهو حنين إلى سنيّ الشباب؟ .

ولكن أيّ شباب هذا الذي لم يعرف فيه إلاّ رحلات الكرّ والفرّ أمام هجمات عسكر الحلفاء حينا والمحور حينا آخر كلما عنّ لهم أن يستبيحوا دشرتهم أو حوشهم العتيق؟ أيّ شباب هذا الذي قضى جزءا غير يسير منه يشقّ السواقي أمام ماء" وادي الزرقة" في ليالي الشتاء الباردة غارسا رجليه الحافتين في الطّين؟ أيّ شباب هذا الذي أكل حرّه لحمَه وعظمَه وهو ينحي يحصد ما خلّفت الطير والجفاف والجوائح من صابة قمح أو شعير؟ ولكنّه رغم ذلك كلّه كان يحبّ شبابه ذاك

وهل يخضع الحبّ لمنطق الحساب والجمع والطرح؟ غير أنّي وأنا أسترجع الذكرى أكاد اجزم أنّه كان يحبّ عمره كلّه بطفولته وشبابه وكهولته وشيخوخته، وإن كان يردّد وهو على عتبة الخامسة والثمانين أنّه لم يشخ بعد وقد لا يشيخ أبدا. وهل العمر بعدّ السنين؟

فلماذا يشيخ الناس الآن وهم لم يتجاوزوا الأربعين إلاّ قليلا؟ لماذا يستعجلون التقاعد والإحالة إلى المعاش وهم دون الخمسين؟ لعلّه الأفق الضيّق يوحي بأنه لم يعد أمامهم مجال للحلم. أي أفق ضيّق هذا؟ لو مدّوا أيديهم قليلا  لهتكوا تلك الغشاوة التي تملأ عيونهم  ولرأوا أمامهم آفاقا شاسعة رحبة لا تدرك لها العيون  نهاية. ولكنّ العيونَ كليلة والقلوبَ كليلة والعقولَ كليلة. يرفع الناس الآن رايات الاستسلام للجهل والفقر والظلم دون مقاومة فتراها عالية خفّاقة في السّاحات ومواطن العمل وتراها أكثر ما تراها في عيونهم البائسة  الذليلة. لكأنما ضربت عليهم الذلّة فهانت عليهم نفوسهم.

        يقول أبي:" مع نهاية موسم الزيتون سافر عمّي أحمد إلى سوسة يبيع نصيبه من الزيت ثم عاد ذات عشية وقد شحن وراءه قاربا صغيرا ومجاذيف فلمّا قلت له "ما هذا يا سيدي؟" أجاب مستنكرا:" ألا ترى!؟ إنّه قارب اشتريته". قلت له: " وماذا تفعل به؟ إنّك في ريف القيروان. ليس هناك بحور أو شطآن".

ولكنه ردّ دون أن يوليني اهتماما كثيرا أو قليلا:" قد نحتاج إليه. لا أحد يدري. ثم ما أدراك أنّ البحر لن يذهب أبعد من سوسة. هه.. هل تعرف؟"

مات عمّ أبي(جدّي للأمّ بعد أن أتى "الألزهايمر" على كامل ذاكرته، كما أتى على أمّي. أذكر أنّه كان في منزلنا في الثكنة العسكريّة الفرنسيّة القديمة  خريف1969 ،وكان الفيضان قد حاصر القيروان كلّها؛ وجدّي أحمد يلحّ في حالات صفاء ذهنه القليلة ،أن نعود به إلى دشرة عين مجونة. فأخذت  مرّة بيده إلى الباب؛ وما أن بلغه ورأى شجرة الكاليبتوس المنتصبة أمام المنزل حتى صاح: ها قد وصلنا إلى عين مجونة.) مات جدّي، ولم يذهب البحر أبعد من سوسة، ولعلّه انحسر قليلا ولكنّ القارب الصّغير مازال مركونا في بيت من بيوت أحفاده.

من يدري فللبحر مدّه وجزره؟ قال أبي:" يا عمّي، هذه ليست سفينة نوح. هل تظنّ الفيضانات لو قامت تبلغ ريف القيروان؟ ليس ثمّة ما تحمل وتجرف غير شويهات عجفاء وبيوت من الطين وطيئة. لنفترض يا عمّي أنّ الفيضانات قد بلغت بادية القيروان فمن تحمل معك في قاربك هذا؟» فضرب أخماسه في أسداسه وقال مازحا:" ما هذا السؤال الساذَج يا مختار؟ أحمل كلّ عرش الوهايبية و أولاد عامر فهؤلاء أصهارنا وربما بعضا من أولاد"س.. هؤلاء أغنياؤنا. هل تريد أن أحمل فقراءنا؟  هؤلاء ينجّيهم ربّهم..."

قلت له:" يا عمّي، ولكنّ قاربك يكاد لا يسع رجلين:" فردّ وما أدراك يا ابن أخي؟ كل ّشيء ممكن. لعل الله ينفخ فيه فيسع الناس أجمعين".

يا أبتِ لا تقس على عمّك ولا تجحف في حقّه. هل تريد له أن يشتري يخت أوناسيس أو الملكة اليزابيت الأمّ أو أحد هذه اليخوت الراسية على السّاحل اللازوردي، المبحرة شرقا وجنوبا مثل عرائس البحر. ثمّ ما هذا الفال الذي تسوق؟ أيّ فيضانات وأي مدّ وجزر؟ هذه بلاد عطشى ظمأى لن تغرقها مياه الدنيا كلّها. وإن كنت والحقّ يقال أرى أناسا يغرقون أحيانا في كأس ماء أو تغرقهم كأس ماء وأرى أناسا لا يغرقون أبدا، يغوصون ثم يبقبقون بقدرة قادر. وأرى أناسا يغرقون في عرقهم ،وأناسا يغرقون في فقرهم، وأناسا يغرقون في ثرائهم. المهمّ أنّهم جميعا غارقون مغرقون.

كل التسجيلات

التسجيلات الصوتية

جوهرة سبور الساعة السابعة و النصف صباحا ليوم الجمعة 23-08-2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة السابعة و النصف صباحا ليوم الجمعة 23-08-2019

اليوم انطلاق عملية بيع تذاكر لقاء النجم وحافيا كوناكري

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الخميس 22-08-2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الخميس 22-08-2019

مركاتو : مستقبل سليمان يتعاقد مع التيجاني أنان

جوهرة سبور الساعة السادسة مساء ليوم الخميس 22 أوت 2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة السادسة مساء ليوم الخميس 22 أوت 2019

انيس سلتو من جديد في النجم الرياضي الساحلي

جوهرة سبور الساعة الثانية ظهرا ليوم الخميس 22 أوت 2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة الثانية ظهرا ليوم الخميس 22 أوت 2019

الرابطة الأولى : تعيينات حكام الجولة الإفتتاحية

بوليتيكا ليوم الخميس 22 أوت 2019

بوليتيكا

بوليتيكا ليوم الخميس 22 أوت 2019

فوزي عبد الرحمان الوزير السابق ضيف برنامج بوليتيكا

بزنس نيوز ليوم الخميس 22 أوت 2019

بزنس نيوز

بزنس نيوز ليوم الخميس 22 أوت 2019

أسعار صرف العملة الأجنبية ..."

كاريكاتور اليوم

المزيد من الكاريكاتور

horoscope.jpg