الاستقبال >أخبار >مقال رأي

مقال رأي2015/09/30 10:56

مؤدّب بدرجة تقدير مشرّف جدّا

مؤدّب بدرجة تقدير مشرّف جدّا

بقلم سعد برغل


كانت أمّي كلما رأت منّي نفورا عن الدراسة تحثّني بما تيسّر من هدايا : وعد بأكلة أحبّها، زيارة بيت خالي بالمدينة، بيع البيض لأشتري كرة جديدة، كان همّها أن أُقبل على الدراسة بحماس، كنت أشترط الكثير بمناسبة العودة المدرسيّة لأنّي كنت أعرف أنّ للطلبات وقتا إذا انقضى عليّ أن أنتظر حولا كاملا حتى تتيسّر ثانيّة، 

كان أقصى أماني في العودة كرة جديدة أتباهى بها بين أبناء عمّي وأُعاقب من اعتدى عليّ صيفا أو رفض تشريكي في مناسبة ما، وكنت أنتقم أشدّ الانتقام من إخوة العرسان الذين كانوا يمنعوني من الأكل الوفير بمناسبات الأعراس، كانت أمّي دون وعي منها تحفّزني على الدراسة ببساطة هداياها ووعودها لكنّها في الوقت ذاته كانت تمكّنني من وسيلة الانتقام من المعتدين.

كنت أقضي الصّيف القائض في الذهاب إلى كتّاب الجامع، كان شيخا حامل علم وعصا، كانت تنزل علينا من حيث لا ندري، كان قطع الكيلومترات يستنزف الجهد فنتّكئ على الحصير و نردّد الآي الكريم وقد تأخذنا سنة من النوم نستفيق بعدها مرعوبين على وقع العصا تضرب منّا الأكتاف أو الوجوه أو الأصابع. كنّا نواصل القراءة و الحفظ في صمت الخائف، كانت أمّي كلّما عدت وآثار الزرقة على بعض جسدي تشكر المؤدّب لأنّه يعرف "يربّي" ، ولكنّها في الوقت ذاته تشتري حبي للحفظ فتعدني بهديّة لو ساعدتها في أداء الصلاة بتلاوة السور اللاّزمة لإحدى الصلوات ، لم أكن أعرف ، ومازلت لا أعرف بالضبط هل كانت تمتحن مدى حفظي إذا تلكّأت أو أسرعت في الاستظهار دون توقّف ، أو كانت تُعوّض بوليدها ما حرمتها منه الأيام : حفظ كلام ربّي.

حكاية المؤدّب هذه رافقتني سنينا عددا ، كانت أمّي ببيداغوجية ريفية بسيطة تعرف بالضبط مدى انضباطي، تعرف مدى كسلي في حال اكتفيت بقصار السّور وتدرك همّتي و  نشاطي اذا عمدت إلى مساعدتها في الصلاة بسور طِوال ، كانت تختم صلاتها بالدعاء لي حتى يقبل مني الله ما رتّلت من  كَريم الآي وتنظر إليّ باسمة فقد فتحت لي الجنّة ذراعيها كما كانت تردّد ، ولم يخطر ببالي وقتها أن أسأل أمّي عن الجنّة ، وربما أدرك الآن أني حسنا فعلت وإلاّ أحسّت بتعاسة لأنّها عجزت عن إفهام صغيرها ما كانت تعده من جنّة ، قد كانت بعقلية ريفيّة لا تعرف عن الجنّة سوى صفاتها وتختزلها في لهجة جنوبيّة " الي تحب يا وليدي " .

كان صيفنا يمرّ ونحن ننتظر العودة المدرسيّة ، عودة لا نشترط فيها قسما ولا معلّما ولا ينشغل أبي بعودتي فلا يغرق دكّانه ويرابط بالمدرسة  شاتما مدير المدرسة لأنّي لا أرغب في الدراسة الثامنة صباحا، و لا تترك أمّي دجاجاتها ونعاجها ويومها بين الصّوف والفلاحة تنتظر معلّمة حتى تقذف في وجهها رغبات ابنها في أن يدرس بالصّف الثاني، لا الثالث، الذي تدرّسه معلّمة تنحاز إلى ابنها في الامتحانات، كنت لا أعرف من العودة سوى كتب ورثتها عن إخوتي أو أحد أبناء العم ، ولباس بعضه تهرّأ من كثرة الرّتق، وكنت ككلّ مفتتح سنة دراسيّة لا أتمنى سوى أن تضعني الصّدفة مع توقيت أختي فضيلة التي تكبرني بسنتين حتى أضمن كسرة من صنع يديها تحملها وتغمّسها في الزيت في مواقيت  اصطلحت عليها البشريّة ساعات إفطار.

سنوات من العمر مضت ، مات من مات وتخرّج من تخرّج ، وتغيّر عادات وانتصبت عادات أخرى انتصابا فوضويّا، ومازلت أذكر أنّ والدي رحمه الله شرّفني بزيارة فجئية ، كان الزيارة  اليتيمة، يوم انهيت اجتياز الباكالوريا، بالمعهد التقني بجربة، سنوات من العمر مضت وأحال الدّهر على التقاعد معلّمي وبعضا من أساتذتي وغيّب القبر أمّي وأبي و مؤدّبي، و ماتزال الذاكرة محمّلة  بدعاء أمّي وصوت المؤدّب ينهرني و فرح  والدي بحيازتي المتعاقبة للمرتبة الأولى.

سنوات من العمر مضت، واليوم أضعت أيّاما في تأمين العودة الجامعيّة لابني، كنت اكتشف المسالك وهو يعرف الطريق المعبّدة، كنت أركض حتى لا يفوتني الصّف كيلومترات، واليوم يرفض التنقل بالحافلة ، كنت انتظر العودة ليلا لأتحصّل على ما تيسّر من رغيف بارد، كنت لمّا أبلغ الخامسة يوم العودة الدراسية بالابتدائي ولما أبلغ الحادية عشر لعودة الثانوي ولما أبلغ الثامنة عشر للجامعية التي كانت حلما بمدينة الأحلام، واليوم يرابط الآباء بالجامعة لترسيم الأبناء، يرابط الآباء بالجامعة  للتشاجر مع الكاتب العام لنقلة ابن من فريق إلى فريق، ويرابط الآباء بالمبيتات ويهاتفون المسؤولين لتغيير غرفة بالمبيت.

جيل لا يعرف من مسارب الوطن سوى ما يطّلع عليه في خارطة غوغل ولا يعرف من المحفوظات سوى"قبّي قبّي" و لايعرف من الإدارات سوى  ذاكرة بطاقة دخول إلى القسم بناء على شهادة طبيّة مزورّة، جيل كهذا كيف يمكن أن نصنع منه مادّة للغد ، وعقلا للغد ومستقلا للبلد؟ أين يكمن الخلل بالضّبط؟ هل بإمكان أساتذة علم النفس وأساتذة علم الاجتماع وأساتذة التربيّة وأساتذة الاتّصال إيجاد سُبل لجيل ضاعت منه السّبل؟ 

Economique Jawhara FM

jmc
كل التسجيلات

التسجيلات الصوتية

جوهرة سبور الساعة الثانية زوالا ليوم  الثلاثاء 22-09-2020

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة الثانية زوالا ليوم الثلاثاء 22-09-2020

اخر اخبار انتقالات الاعبين المركاتو في تونس

جوهرة سبور الساعة السادسة مساء ليوم الاثنين 21-09-2020

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة السادسة مساء ليوم الاثنين 21-09-2020

شبيبة القيروان تجهز ملف لاستئناف قرار الرابطة بخصوص مقابلة النادي البنزرتي

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الاثنين 21 -09-2020

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الاثنين 21 -09-2020

هيئة هلال الشابة تحتج على حكم الدور نصف النهائي ضد الترجي

جوهرة سبور الساعة الثانية زوالا ليوم الاثنين 21-09-2020

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة الثانية زوالا ليوم الاثنين 21-09-2020

كأس الحبيب بورقيبة لكرة القدم : تعيينات حكام الدور نصف النهائي

Ecorama ليوم الإثنين 21 سبتمبر 2020

Ecorama

Ecorama ليوم الإثنين 21 سبتمبر 2020

المستفيد الحقيقي

    Economica ليوم الإثنين 21 سبتمبر 2020

Economica

Economica ليوم الإثنين 21 سبتمبر 2020

مشروع قانون يتعلق بتنشيط الاقتصاد وإدماج القطاع الموازي

horoscope.jpg