Français|

الاستقبال >أخبار >مقال رأي

مقال رأي2014/01/04 16:37

محمود المسعدي في ذكراه المنسيّة بقلم منصف الوهايبي

محمود المسعدي في ذكراه المنسيّة بقلم منصف الوهايبي

محمود المسعدي في ذكراه المنسيّة (تازركة 28 جانفي 1911/ المرسى 16 ديسمبر2004)

شاعر ضلّ طريقه إلى النثر

 لا نظنّ أنّ أيّا من قرّاء المسعدي يماري أو يجادل في أنّه إزاء لغة فنّية من طراز عال تتمثّل على نحو لافت لغة القرآن ونثر التوحيدي والمعرّي والأصفهاني من جهة والشعر العربي القديم من أخرى. وقد لا يجد من يقرنه به من كتّاب العربيّة وأدبائها في النصف الأوّل من القرن الماضي، ماعدا الكاتب المصري من أصل لبناني بشر فارس في "جبهة الغيب".

.ومع ذلك فإنّ القارئ المتمرّس بأساليب العربيّة ولطائفها لا يكاد يطمئنّ إلى هذا الرأي حتى تساوره، من أمر هذه اللغة، ريبة غير يسيرة. فهي تقول هذا القديم ولا تقوله في آن. ولعلّ هذا ما يزيد من صعوبة البحث فيها، فهي تطلّ برأسين اثنين: قديم وحديث يتواصلان فيها جنبا إلى جنب، فلا الأوّل انقطع بذيوع الثّاني، ولا الثّاني حلّ محلّ الأوّل. بل الأصوب أن نقول إنّ هذا وَصِيل ذاك

فهما ونحن لا نقصد الجانب الشكلي أو المظهر البصري وإنّما الخطاب نفسه ،مترافقان لا يكادان يتفارقان إلاّ في النّدرة من النصوص؛ بل في النّدرة من الجمل التي تباين القديم في أخيلته ومعانيه، وإن على نسب تتفاوت ومقادير تتفاضل؛ بل أنّ القاعدة في هذا المحدث أو المستحدث اللغوي، إنّما هي في الحفاظ على التّقليد وخرقه في آن، وما يفضى إليه ذلك من مراوحة بين الوظيفة المرجعيّة المنوطة بمحتوى الخطاب والفكر الذي يحيل عليه، والوظيفة الجماليّة حيث اللغة غاية في ذاتها أو هي تقول اللغة. ولعلّ ذلك كان سببا من أسباب حفاوة الكاتب بالتعبير الكنائي أو الرمزي الذي لا يقاوم القراءة ولا يحول دون استعادة المعنى، لما تقوم عليه  الكناية من المجاورة ومن الوظائف التي  تعلق بها سواء أكانت إفهاميّة أم إخباريّة مرجعيّة، بل جماليّة أيضا ترجع إلى إيقاع الائتلاف بين المختلفات؛ أي "تأليف الغريب" أو ما يمكن أن تسمّيه "جماليّة المفاجأة".

ومن هذا الجانب فإنّ ظاهرة كهذه  أبعد من أن تفسّر بطغيان وظيفة دون أخرى، فثمّة في كلّ أدب المسعدي وبخاصّة في "من أيّام عِمران" مراوحة لا نخالها تخفى بين ما هو "جماليّ" وما هو "مرجعيّ"، وليس لنا أن نستثني من ذلك أيّا منها، فالكاتب يصدر في كتابته عن تينك الوظيفتين في أداء الصّورة والفكرة حيث الانتقال من الطّرف الأوّل إلى الثّاني لا يعني إلاّ انتقالا من مرجعيّ إلى جماليّ، ولكن في تلطّف وعدم إفراط، حتى تحتفظ اللغة بقدرتها على التمثيل والتّبليغ .ومثال ذلك :يوم اللقاء المستحيل

نزلت تقول:

ـ كيف ألقاك بعد لياليّ العجاف؟ فقام لها في طريقه فارّا إلى الجبال، فوقفا وجها لوجه وقالت

 ـ أين الطريق التي لا نهاية لها فألقاك؟ قال

 ـ لعلّها على اليمين؟ قالت

 ـ أو لعلّها على اليسار

 فهذا النص إنّما يقدحه هاجس الموت بالمعنى الصوفي للكلمة، ولذلك تغدو فيه اللغة في الخاتمة مظهرا للقول والذّهاب رأسا إلى المعنى حيث  يلمّ الكاتب وقد أسند الكلام إلى الذات الإلهية، بالصّورة في خطف كالنبض، ثمّ يفصّلها أكثر ليصبّ معناها في قالب محكم من الكلِم واللّغة :"وقال الله: تلك مأساة اللقاء المستحيل بين عبادي في الحياة. لا لقاء إلاّ عندي في اتحاد الفناء بعد الممات". فهذه لغة ذات مرجعيّة صوفيّة لا تخفى، وهي من لطف النّظم الذي يجاري الطّبع إلى معنى تسيغه النّفس أو يرقّق من حواشيها ويصالحها مع الموت على نحو ما نجد في المدوّنة الصوفيّة القديمة. ولا نخال صورة كهذه إلاّ مظهرا لمعنى ناجز تامّ سابق على النّصّ، أو أنّ النّصّ ينشأ بناء على معنى أو أصل معطى من خارجه وإن كان ذلك لا يحول دون أن ينشئ معنى أو فضل معنى إبّان قراءته.

وربّما تعزّز هذا الأصل  عند المسعدي في هذه العربيّة "الفنّية" أو "المقدّسة" لغة الشعر والقرآن التي لم تنقطع عن أصولها الأولى؛ وإنّما ظلّت في أكثر استعمالاتها الأدبيّة تصل الأصل بفروعه، والفروع بأصولها؛ حيث حركة المكتوب المرئيّ من حركة المنطوق المسموع. فهو لا يكشف عن نفسه ولا يسفر للعيان إلاّ إنشادا (الشّعر) أو تلاوة (القرآن). وهذان من أظهر مكوّنات ثقافة المسعدي كما تدلّ على ذلك سيرته وحواراته.

ولنذكّر أنّ أدبه لا ينضوي إلى الواقعيّة بالمعنى المتعارف، والمسعدي لا يُعنى بالمعيش أو اليومي، وإنّما بالفكر. ولعلّ خير دليل لذلك هذه اللغة التي تكاد تقول نفسها أكثر ممّا تقول واقعها في النصف الأوّل من القرن الماضي. ومع ذلك فنحن لا نهوّن منها، بل نحن نكاد نقرّر متعجّلين غير متريّثين أنّ هذه العربيّة الجليلة التي كتب المسعدي فيها وبها، فعل "مقاومة" في فترة لعلّها من أحلك فترات تونس في الحقبة الاستعماريّة، حيث لاذت العربيّة بالكتاتيب والمدارس القرآنية عسى أن تحتفظ كثير أو قليل من "قدسيّتها" التي رسّخها المخيال الديني واعتقاد عامّة المسلمين في أنّ العربيّة هي "لغة الله الأمّ". فلم يكن بالمستغرب إذن أن يكتب المسعدي بهذه الجماليّة. ولكن ربّما كان ذلك لعلّة إيقاعيّة أيضا، فهذه العربيّة المتخيّرة ذات الإيقاع الأصيل أشبه في تقديرنا بعمل الشعر حيث تحلّ عند المسعدي البنية الصرفيّة محلّ البنية العروضية أو التّفعيلات الرّئيسة، كما يسمّيها فايل، وهي السّبب في ثبات النّغم الصّاعد أو "جوهر الإيقاع" .صحيح أنّ لغة المسعدي ذات إيقاع خاصّ بها يختلف عن جوهر الإيقاع الصّاعد في القصيدة. ولكنّ أخذ البنية الصرفيّة عنده، بالاعتبار يمكن أن يوقفنا على مشابهة "عجيبة" بينها وبين بنية التفعيلات.

فلعلّ هذا الضرب من الإيقاع الشعري المخصوص هو الذي يتمثّله المسعدي في النص الذي نحن به "من أيّام عمران" حيث إيقاع النصّ من إيقاع الوزن الصرفي والتركيب النحوي المخصوص، قد لا يسخو بموفور قوّته إلاّ إذا باشرناه من حيث هو تنظيم النصّ تنظيما نوعيّا خاصّا. وأقدّر أن هذا ما يفعله المسعدي وبخاصّة في النصوص القصيرة مثل : يوم السؤال الأعظم :

ـــ "أتذكر يا عمران يوم التقينا على الطريق التائهة أنت مشرّق وأنا مغرّبة واتصلنا في غير شرق ولا غرب؟" فهذا ضرب من إيقاع التوازي أساسه اسم الفاعل والمصدر:مشرّق/في غير شرق. ومغرّبة/ ولا غرب

أو يوم اللعب "دانية :وجهي برهان. ثدياي ظلام أم بيان؟"

فترى الإيقاع الذي يجري في النّصّ أو يجري به النّصّ، صدى الإيقاع الذي تفيض به الذات أو هو يستفيض فيها. فلعلّ هذا الذي سقنا أمسّ بنصّ المسعدي الذي يذكّرنا بهذه العربيّة "الفنية" أو "المقدّسة" التي تكاد تتحرّر من رقّ الزمان والمكان.

ونقدّر أنّ المسعدي يفترض في كلّ أدبه أو جلّه، على " المقدّس اللغوي" افتراضاته الخاصّة ممّا كان له أثر كبير في صياغة مفهوم خاصّ للإيقاع باعتباره تنظيما لحركة الكلام في الكتابة. وقد لا يتسنّى الإحاطة به إلاّ على ضوء أحدث البحوث في الإيقاع كما هو الشأن عند هنري ميشونيك في مصنّفه الشهير "في نقد الإيقاع". وهو إيقاع ينهض لها سند من العربيّة القرآنيّة التي لم تعرف التعارض الشائع بين الشعر/النثر على نحو ما نجد عند علماء الإعجاز مثل الباقلاني الذي ينفي مثل هذا التعارض إذ يقرّر أنّ القرآن شعر لا بمعنى القصيدة وإنّما بمعنى الصنعة اللطيفة في نظم الكلام.

إنّ ما نعدّه شعرا عند المسعدي، إنّما هو تحويل شكل لغويّ إلى شكل من أشكال حياة اللغة، وتحويل شكلٍ من أشكال الحياة إلى شكل لغويّ. ولكن في سياق التعارض بين اللغة العادية واللغة الشعريّة وليس بين الشعر والنثر.

لنستحضر هنا ما قاله ميشونيك من أنّ الروايات العظيمة، هي روايات لأنّها تحمل قصيدا في مطاويها وأنّ  الآثار الفلسفيّة العظيمة يجري فيها القصيد هي أيضا. وإذ نعرّف الشعر على هذا النحو، وهو الذي "يُعرف ولا يعرّف" فهذا يفضي بنا حتما إلى نقد التعريفات الشكليّة، والقرآن في هذا المستوى نصّ مثل أيّ نصّ استثنائي، بخواصّه الشعريّة والثقافيّة. ولكنّ هذا مشكل الدّيني والدّيانات، تلك التي لا ينبغي الخلط بينها وبين العلاقات [التضمينيّة] الخاصّة بالقصيد. ليكن القرآن نصّا دينيّا كما يريد له عامّة المسلمين. ونحن نقدّر أنّ هذا من سوء حظ الشعراء. ولكنّ الأمر جرى هكذا تاريخيّا، ولا نستطيع حياله شيئا على نحو ما نجد عند ميشونيك في كلامه على التوراة. فهذا جزء من النصّ لا فكاك منه. وعلى كلّ فليس هذا ما يعنينا فالمسعدي ــ وهذا وجه جدّة أدبه أو طرافته ــ ينهض بتجديد فكر اللغة استئناسا بهذا التراث، ومن ثمّ فكر المجتمع، أو لعلّ هذا ما كان يطمح إليه بواسطة نظريّة الإيقاع التي يستخلصها من القرآن والنصوص الذي تدور في فلكه من حيث هي تنظيم لحركة الكلام الذي تؤدّيه ذات متلفّظة خاصّة. رحم الله محمود المسعدي فقد مرّت ذكراه هذا العام في أجواء تونسيّة حزينة حتى أننا من ذكره كدنا ننساه. كان أعظم من الحياة.

Imsakia
كل التسجيلات

التسجيلات الصوتية

جوهرة سبور الساعة السادسة مساء ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة السادسة مساء ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

الملعب القابسي : خلاص خطية الفيفا واستئناف قرار الرابطة

جوهرة سبور الساعة الثانية ظهرا ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة الثانية ظهرا ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

صيام بن يوسف يعتزل اللعب دوليا

  معرض الصحافة ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

معرض الصحافة

معرض الصحافة ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

وزارة التربية تقرّ جملة من الإجراءات الجديدة لباكالوريا 2019

  بزنس نيوز ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

بزنس نيوز

بزنس نيوز ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

شراء 3 طائرات جديدة لفائدة الخطوط التونسية السريعة

  بوليتيكا ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

بوليتيكا

بوليتيكا ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

وليد صفر نائب رئيس حزب افاق تونس ضيف برنامج بوليتيكا

  نشرة أخبار منتصف النهار ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

نشرة الأخبار

نشرة أخبار منتصف النهار ليوم الثلاثاء 21 ماي 2019

35 قتيلا جراء حوادث المرور في النصف الأول من رمضان

كاريكاتور اليوم

المزيد من الكاريكاتور

horoscope.jpg