Français|

الاستقبال >أخبار >مقال رأي

مقال رأي2013/12/11 17:17

مدينة تشبهني: إلى الرسام بول كلي بقلم منصف الوهايبي

مدينة تشبهني: إلى الرسام بول كلي بقلم منصف الوهايبي

"اللّون يتملّكني. لا حاجة أبدا للبحث عن كيفيّة الإمساك به. هو يتملّكني. أعرف ذلك. هذا هو كنه اللّحظة السّعيدة: أنا واللّون شيء واحد. أنا رسّام. " مذكّرات بول كلي القيروان 1914

تحتفل ألمانيا بذكرى زيارته المئويّة إلى تونس (الزهراء والحمّامات والقيروان) عام 2014

.

لكأنّي أستعيد حلما وأفكّ رموز لغة هيروغليفية أو أكتب ما لا ينكتب وأتخيّل مرئيا مطمورا في سحيق من الذاكرة. غطّاني ريش أسود. شعرت كأنّ أنفاسي تحتبس. كأنّ صقيعا يتصاعد من أخمص قدميّ. وإذا أنا برذاذ على وجهي. تراها تمطر في هذا اليوم القائظ؟! تقلّبت. ونظرت بعين نصف مفتوحة. رجل على حصان أسود، وعليه برنس أبيض، يتجمّع ظلّه فوقي. الشمس عمودية، كأنّ ضوؤها ينبعث من منوّر في أعلى سقف السماء، يعشى عينيّ ويخترق ذلك الوجه الواثق الذي لم أتبيّن فيه سوى أنف مفلطح وشفتين غليظتين وعينين حمراوين.

كأنّي رأيته ينزع برنسه عن كتفيه ويلقيه عليّ (فتحت عينيّ فإذا بباب موارب. تردّدت قليلا نظرت حولي. بدا لي البيت شاهقا تتوسّطه شرفة أسطوانية، كأنها تنهض على مقرنصات من الآجر المزجّج أو من حجر الطّلق، وسمعت صليلا كأنه صليل الذهب أو الفضّة، يأتي من وراء الباب، وصوت امرأة تناديني باسمي. دفعت الباب ودخلت. باحة واسعة تزين جدرانها قراميد مزخرفة يجري فيها ضوء معدني أزرق كأنه غبار الفضّة. دوائر ومربّعات ومثلثات وخطوط متقاطعة وكتابة لم أتبيّنها، محفورة في مهاد من أغصان تتشابك أوراقها. وفي وسط الباحة تقوم شجرة توت، إلى جانبها مطهرة مملوءة ماء، فوق رخامتها إناء من فضّة، به سواك وكحل. وعلى غصن وطيء تتدلّى منشفة بيضاء. حللت لباسي وأرقت الماء، ثم اغتسلت وتنشّفت. فجأة شعرت بأني مراقب. أنّ أحدا ما ينظر إلىّ خلسة. تلفتّ. كان باب ينفتح على سلّم حلزوني، وطيف امرأة، كأني أعرفها، تدلف بسرعة. وسمعت صوتا يأتي من بعيد، كرنين المحار: فرغتَ؟)

 

ثم كأنه ينزع عنّي البرنس. مسحت عينيّ وفتحتهما: شمس منحرفة. رجل على حصان أبيض، وعليه برنس أسود. وبيده قدح. كانت رأسي تؤلمني، لابدّ أني نمت طويلا إلى هذه الصخرة الملتهبة. وسمعته يقول، وكأنه يخاطب غيري: "كأنّ البدويّ الصغير لم يوقن! سيعود ثانية ويرى". نهضت واقفا. شربت وأنا أسترق النظر إليه. أنف أقنى. عينان زرقاوان. شفتان رقيقتان. وضع القدح في الخرْج، وقال: "هيّا! ارتدف خلفي!" ارتدفت. ظلّ صامتا. تحتنا، كان بلّوط الأرض (على ما أظنّ) يبسط أوراقا كالهندباء، تنزف دما أخضر، أخذ يتطاير من حوافر الحصان.

وفي الأفق كان غداف يحرّك جناحيه كأنه يهمّ أن يقع على شيء. والأرض الغامقة تلوح من بعيد زرقاء شاحبة. ولم يبرح حتى قال: ما ترى؟ نظرت. بيوت بِيض كالقبور وأشجار كاليبتوس. وصرخت: تمبكتو

 

أكان حلمي أوّل عهدي بالقيروان؟ ربّما! تراني أستعير حلم طفل آخر لأقول مدينة نزحت إليها من البادية في سنّ مبكرة لا تعقل من الأشياء إلاّ خاصتها؟ ربما.

أعرف أنّي أفترض على ذاكرتي مختلف الافتراضات، وأرَوِاحُ بين مجهول ومنسوب، وأسترسل لهذا، مثلما أسترسل لذاك، وأكاد أثق أنّ أمور هذا النصّ تسير على أصول من المنطق والتعليل. وبرغم ذلك فأنا لا أظفر إلاّ بنصّ قلق متراكب، يصنعه البدويّ الصّغير والبدويّ الكهل كلاهما. أعني أنا المنشطر كمروحة نخيليّة تتفرّع أبدا وتتكرّر أبدا. وقد يتلابس الصّنيعان حتى ليستعصى تميّز الفروق الدقيقة والظلال الخفيّة فيهما، أو إظهار تواشجهما. البدويّ الصّغير ينقل ويستظهر ويسترجع. والبدويّ الكهل يتعهّد ويقوّم ويهذّب؟ وأنا الحائر بينهما، أسوّغ للثّاني أن يقوم من الذكرى مقام المصلح وأشرعه على هذا الطريق النافذ إلى حمل النصّ حملا ثانيا، وأستوهم الأوّل أن يتحوّط لنصّه بالذاكرة والاسترجاع حتى لا يعروه شيء من مخالفة الأصل المنغمس في الشبهات.

أهما قطبان سالبان متدافعان؟ قد أسترسل للسؤال وأسلّم بالجواب فاتخذ منه علّة لتشريع كلام "على" القيروان، فيه سعة وتميم. ولكنّ الثالث، وليكن الكاتب أو الشاعر، ينبّهني إلى أنّ الكلام على مدينة "تشبهني" ميدان مظلّل يكاد لا يسلمنا إلى شيء من اليقين القاطع أو القول الفصل. وإذا الكتابة تلتبس فتطرّق إليها الشبهة ويتورّدها الاحتمال، لتوقفني على نصّ "جمع" من حيث ظننته "مفردا"، وعلى سياق مظلّل من حيث ظننته هاديا. ولا الأوّل موطّأ، ولا الثاني واضح المعالم. إنّما كلاهما متغيّر أو مختلف أو مرجأ. وإذا النصّ ملتبس كأشدّ ما يكون الالتباس، يسلمني في كل جملة وكلّ صورة إلى ضروب من العنت والكدّ والوحشة، ما احتشدت له بأكثر من أداة، واجتمعت عليه من أكثر من سبيل.

أكاد أقول أنّ الكلام على مدينة كالقيروان، لا يمكن أن يحسنه ويجوّد أداءه، إلاّ فنّان تشكيلي، حتى يعدو النصّ مجرّد الحمل إلى "تحقيق" المدينة و"تخريجها" أي جعل المرئي مرئيا، كما يقول بول كلي الذي زار القيروان في بدايات القرن العشرين، وتحديدا عام1914.

أما أنا فتساورني، من أمرها، ريبة غير يسيرة، يصعب ما لم أجلها، أن يستقيم نصّي وجهه الذي أبتغي. ولا يطوّحنّ بي الظنّ بعيدا، فأتوهّم أنّ بميسوري أن أجلوها كاملة غير منقوصة أو أستردّ الصورة في تفاصيلها وشواردها. فأنا إنّما أبذل ضائعا وأسعى خائبا.

لكأنّ القيروان – وأقصد تلك التي عرفت في طفولتي ثم في أوّل عهدي بالجسد- على وشيحة عجيبة بفنّ "التّوريق" العربي (الأرابيسك). أو هي صورة أخرى من" نخّاس" صلاح الدين بوجاه. وشيحة قد تحجبها غشاوة اللغة وصور هذا العالم المتخيّل الذي أشحذ، فلا أنفذ إلى صميمها، وأخلص إلى دخائلها وأقف على شوابك القرابة بين "الشكلين"، إلاّ إذا أسعفتني لغة مرئية، حيث الأشياء لاتحتاج إلى من يسمّيها. إنّما هي تقول ذاتها بذاتها.

نعم! إنّي أستشعر الآن، بصفاء كبير، لمح الصّلة بين الشّكلين، وأرى عناصر وأمشاجا، وصورا متداخلة متشابكة، تحكمها مواثيق اللّون والضوء والظلّ، وتملي عليها نظام

مخصوصا، مظهرا وتكوينا. لكأنّ المدينة ضرب من زخرفة تزدحم فيها الأشياء وتحتفل الخواطر. فإذا الشيء يجاور الشيء ويدانيه، حيث ينبغي له أن يجاور ويداني، ويعلوه أو يباعده، حيث ينبغي له أن يعلو ويباعد. ولكنّ هذه الأشياء التي تكاد لا تثبت على حال، تنتظم كلّها، في عناقيد ضوئية، متكاملة متناغمة. على أنّ ما يقع في الظنّ، لأول وهلة، أنّ أمورها إلى فوضى، وإلى اضطراب غير يسير

بقلم منصف الوهايبي

كل التسجيلات

التسجيلات الصوتية

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الاثنين 25 مارس 2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الاثنين 25 مارس 2019

الكرة الطائرة : نسائي قرطاج ينهزم امام الأهلي المصري في النهائي الافريقي

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الاثنين 25 مارس 2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة العاشرة ليلا ليوم الاثنين 25 مارس 2019

وصول بعثة المنتخب الوطني للجزائر العاصمة

بوليتيكا ليوم الإثنين 25 مارس 2019

بوليتيكا

بوليتيكا ليوم الإثنين 25 مارس 2019

رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية و الإجتماعية ضيف بوليتيكا القمة…

 نشرة أخبار منتصف النهار ليوم الإثنين 25 مارس 2019

نشرة الأخبار

نشرة أخبار منتصف النهار ليوم الإثنين 25 مارس 2019

بينهم 30 طفلا : احباط هجرة سرية لـ 100 شخص

جوهرة سبور الساعة الثانية ظهرا ليوم الاثنين 25 مارس 2019

جوهرة سبور

جوهرة سبور الساعة الثانية ظهرا ليوم الاثنين 25 مارس 2019

موقف النجم الساحلي من انطلاق الاشغال في اولمبي سوسة

كلام قياس ليوم الإثنين 25 مارس 2019

كلام قياس

كلام قياس ليوم الإثنين 25 مارس 2019

'يا مكثر الأصحاب يا متلف خيارهم...'

كاريكاتور اليوم

المزيد من الكاريكاتور

horoscope.jpg