هجرة غير مسبوقة لأثرياء العالم.. إلى أين يتّجهون؟

يشهد العالم موجة غير مسبوقة من انتقال كبار الأثرياء عبر الحدود، في ما يصفه خبراء بأنه أكبر حركة هجرة للثروات الخاصة في التاريخ الحديث.
فالعائلات الغنية باتت تعيد رسم خرائط إقامتها وتوزيع أصولها بوتيرة متسارعة، مدفوعةً باضطرابات سياسية وتغيرات مفاجئة في السياسات الاقتصادية حول العالم.
وأفادت شركة "CNBC" نقلاً عن مصادر تعمل مع العملاء ذوي الثروات الفائقة، أن الطلب على خدمات الانتقال الدولي وتخطيط الإقامة والجنسية ارتفع بقوة خلال العام الماضي، مع بحث الأثرياء عن بيئات أكثر أماناً واستقراراً، بحسب ما اطلعت عليه "العربية Business"،
فيما كشف تقرير صادر عن بنك "UBS" أن 36% من عملائه المليارديرات ال87 قد غادروا بلدانهم بالفعل مرة واحدة على الأقل خلال 2025، بينما يدرس 9% اتخاذ الخطوة ذاتها.
الاسباب
وقال البنك: "نحن نعيش بالفعل أكبر موجة هجرة للثروات الخاصة في التاريخ."
بينما تؤكد البيانات الصادرة عن شركة الاستشارات العالمية "Henley & Partners" حجم هذا التحول، إذ تلقت الشركة استفسارات من 218 جنسية خلال 2025، نتج عنها طلبات من 100 جنسية موزعة على 95 دولة ضمن أكثر من 40 برنامجاً للإقامة والجنسية.
كما قفز عدد الطلبات بنسبة 28% على أساس سنوي.
ولطالما توجه الأثرياء نحو الدول التي توفر استقراراً سياسياً، وأماناً شخصياً، وضرائب منخفضة، ونوعية حياة عالية، لكن الجديد اليوم، كما يقول الخبراء، هو أن المخاطر السيادية تدار حالياً بالطريقة نفسها التي تدار بها المخاطر المالية.
وقال المدير التنفيذي والشريك المؤسس في "Farro & Co"، ديبيش أغاروال: "العائلات أصبحت تدرك أن الأنظمة السياسية يمكن أن تتغير بسرعة، والبيئة التنظيمية قد تتشدد، والتوترات الجيوسياسية قد تتصاعد دون مقدمات،
بمعنى آخر، الإقامة والجنسية باتتا عناصر تدار كجزء من استراتيجية تنويع شبيهة بتوزيع الاستثمارات، بهدف عدم الاعتماد على دولة واحدة إذا تبدلت سياساتها أو مساراتها السياسية.
ويؤكد الخبراء أن هناك عاملين رئيسيين يحددان ملامح الهجرة اليوم، أبرزهما الجغرافيا السياسية وسرعة تطورها.
وتتأثر قرارات الإقامة بشكل متزايد بتقييمات الحياد، وقوة المؤسسات، وسيادة القانون.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك المملكة المتحدة، حيث أدى إلغاء نظام ضريبة غير المقيمين في أفريل 2025، بعد أكثر من قرنين، إلى إعادة تقييم شاملة للبلاد بين سكانها الأثرياء.
وتشير تقديرات شركة "هينلي وشركاؤه" إلى أن المملكة المتحدة شهدت خسارة صافية بلغت حوالي 16,500 مليونير في عام 2025، بثروة تقدر بنحو 92 مليار دولار، مقارنةً ب 9,500 مليونير في عام 2024.
أما العامل الثاني الذي يدفع هجرة الأثرياء فهو الدفاع، ففي السابق، كانت موجات الهجرة مدفوعةً بالتفاؤل، سعياً وراء النمو أو الفرص أو المزايا الضريبية، أما اليوم، فتتسم تحركات الهجرة بطابع دفاعي متزايد.
وقال أغاروال: "انضمت الحماية إلى النمو كدافع رئيسي. فهناك دافع أقوى لحماية الأصول، والحفاظ على استمرارية الأجيال، وضمان المرونة التشغيلية".
الوجهة
وعلى الرغم من الطابع العالمي لهذا التحول، فإن رؤوس الأموال والكفاءات تتجمع في عدد محدود نسبياً من الدول التي توفر استقراراً في السياسات وأطراً قانونية متينة.
وتتصدر الإمارات العربية المتحدة القائمة، والتي يصفها المستشارون باستمرار بأنها المستفيد الأكبر من هذه الدورة الاقتصادية، فقد جعلها انعدام ضريبة الدخل الشخصي، وعدم وجود ضرائب على الثروة وأرباح رأس المال، ونظام التأشيرة الذهبية المرن، مركزاً رئيسياً للانتقال.
وتتيح برامج التأشيرة الذهبية للأجانب الحصول على إقامة طويلة الأمد، وفي بعض الحالات مساراً نحو الحصول على الجنسية، مقابل استثمارات مؤهلة، عادةً في العقارات أو السندات الحكومية أو الشركات المحلية.
وتشير تقديرات هينلي آند بارتنرز إلى أن الإمارات العربية المتحدة شهدت تدفقاً صافياً بلغ 9800 مليونير العام الماضي، وهو أعلى رقم بين دول العالم.
ولا تزال أوروبا تجذب الاهتمام من خلال برامج الإقامة الذهبية في البرتغال واليونان، بينما تستقطب إيطاليا وموناكو وسويسرا العائلات الباحثة عن الاستقرار طويل الأمد والضمانات الضريبية.
وتعد سنغافورة وجهة جذابة أخرى، لا سيما للعائلات التي تعطي الأولوية للاستقرار التنظيمي والبنية التحتية المالية المتينة، على الرغم من أن ارتفاع عتبات الدخول يقيد الوصول إليها، وفقاً لخبراء.
وبعيداً عن المراكز التقليدية، تكتسب وجهات جديدة زخماً متزايداً، فقد أصدر برنامج الإقامة المميزة في المملكة العربية السعودية أكثر من 8000 تصريح منذ توسيعه عام 2024، بينما تستخدم برامج الجنسية الكاريبية في أنتيغوا وبربودا وغرينادا وسانت كيتس ونيفيس بشكل متزايد كخيارات استراتيجية مكملة لاستراتيجيات الإقامة الأوروبية.
(العربية)





















